الكساد الاقتصادي

الكساد الاقتصادي،هو انكماش اقتصادي حاد يستمر لفترة طويلة في النشاط الاقتصادي ويعد الكساد من أشد حالات التراجع الاقتصادي حيث يمتد عادة لعدة سنوات يصاحبه انخفاض كبير في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد يصل إلى عشرة في المئة أو أكثر خلال سنة واحدة ويختلف الكساد عن الركود الاقتصادي من حيث الشدة والمدة إذ إن الكساد أقل حدوثاً لكنه أكثر عمقاً وتأثيراً وغالباً ما يرتبط بارتفاع معدلات البطالة وتراجع مستويات الدخل وتباطؤ حركة الأسواق بشكل واضح مع انخفاض معدلات التضخم في كثير من الحالات.

أسباب الكساد الاقتصادي

يحدث الكساد الاقتصادي في الأساس نتيجة تراجع ثقة المستهلكين في الاقتصاد مما يؤدي إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات ومع استمرار هذا التراجع تبدأ الشركات في تقليص أنشطتها وخفض التكاليف وتقليل عدد الموظفين وقد يصل الأمر إلى إغلاق بعض الشركات بشكل كامل عندما تتوقف حركة الشراء والاستهلاك بشكل ملحوظ ومن أبرز العوامل التي قد تؤدي إلى الكساد الاقتصادي:

  •  انهيار سوق الأسهم حيث يعكس السوق أداء الاقتصاد وثقة المستثمرين فيه وعند حدوث انهيار كبير في الأسهم يكون ذلك مؤشراً على ضعف الثقة وتدهور التوقعات الاقتصادية.
  • كما أن انخفاض أوامر التصنيع يعد عاملاً مهماً إذ إن تراجع الطلب على الإنتاج لفترات طويلة يضعف النشاط الصناعي وقد يدفع الاقتصاد نحو الركود ثم إلى كساد في حال استمرار الوضع.
  • تدخل الحكومة في تحديد الأسعار والأجور قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات اقتصادية خاصة إذا لم تسمح للشركات بالتكيف مع التغيرات مما قد يضطرها إلى تسريح العمال للحفاظ على بقائها في السوق.
  • يعد الانكماش الاقتصادي من العوامل المؤثرة أيضاً حيث يؤدي انخفاض الأسعار مع الوقت إلى تقليل الأرباح بسبب ضعف الطلب وليس بسبب تحسن اقتصادي حقيقي.
  • كما أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس على جميع القطاعات تقريباً لأنه يزيد تكاليف الإنتاج والنقل مما يقلل من القوة الشرائية للمستهلكين ويؤدي إلى تراجع الطلب.
  • أخيراً فإن فقدان ثقة المستهلكين في الاقتصاد يؤدي إلى تغيير سلوكهم في الإنفاق وتقليل مشترياتهم بشكل عام مما يضعف النشاط الاقتصادي ويزيد من احتمالات الدخول في حالة كساد.

الكساد الاقتصادي الكبير

يعد الكساد الكبير أسوأ أزمة اقتصادية شهدها العالم الصناعي إذ امتد من عام 1929 حتى عام 1939 بدأ بانهيار سوق الأسهم في أكتوبر 1929 وهو الانهيار الذي أفقد ملايين المستثمرين مدخراتهم وأدى إلى صدمة اقتصادية واسعة ومع مرور السنوات تراجع الإنفاق بشكل حاد وانخفض الاستثمار بصورة كبيرة، ما تسبب في انهيار الإنتاج الصناعي وارتفاع معدلات البطالة حيث لجأت الشركات إلى تسريح أعداد ضخمة من العمال وبحلول عام 1933 وصلت الأزمة إلى ذروتها وكان نحو 15 مليون أمريكي بلا عمل، كما انهار ما يقارب نصف البنوك في الولايات المتحدة

 

شهدت الولايات المتحدة خلال عشرينيات القرن الماضي نمواً اقتصادياً سريعاً وتضاعفت الثروة الوطنية بشكل ملحوظ بين عامي 1920 و1929 وفي تلك الفترة أصبحت بورصة نيويورك في وول ستريت مركزاً للمضاربات المالية ما أدى إلى تضخم غير طبيعي في أسعار الأسهم ورغم أن الاقتصاد كان يواجه بالفعل تباطؤاً في الإنتاج وارتفاعاً في البطالة وتراجعاً في بعض القطاعات مثل الزراعة بسبب الجفاف وانخفاض الأسعار إلا أن أسعار الأسهم استمرت في الارتفاع بشكل غير واقعي. كما كانت الأجور منخفضة في الوقت نفسه وارتفع الدين الاستهلاكي بينما عانى القطاع المصرفي من قروض متعثرة لم يكن بالإمكان استردادها

 

ومع دخول صيف 1929 بدأ الاقتصاد الأمريكي يمر بركود خفيف، حيث انخفض إنفاق المستهلكين وتراكمت البضائع غير المباعة مما أدى إلى تباطؤ الإنتاج الصناعي لكن رغم ذلك استمرت أسعار الأسهم في الصعود حتى بلغت مستويات قياسية في الخريف

 

وفي 24 أكتوبر 1929 بدأت موجة بيع واسعة للأسهم نتيجة حالة الذعر بين المستثمرين مما أدى إلى انهيار تاريخي في سوق الأسهم تلاه تدهور سريع في الثقة الاقتصادية وخلال أيام قليلة تم تداول عشرات الملايين من الأسهم وفقد الكثير منها قيمته بالكامل خاصة تلك التي تم شراؤها عبر القروض ومع انهيار الثقة تراجع الإنفاق والاستثمار بشكل حاد، مما أجبر المصانع والشركات على تقليل الإنتاج وتسريح العمال وانخفضت الأجور لمن بقي في العمل وتراجعت القدرة الشرائية بشكل كبير وارتفعت حالات الإفلاس وحجز الممتلكات واستمر الوضع في التدهور خلال السنوات التالية حيث ارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى ملايين وانخفض الإنتاج الصناعي إلى النصف تقريباً كما تضرر القطاع الزراعي بشدة بسبب الجفاف والعواصف الترابية التي اجتاحت مناطق واسعة وأدت إلى تدمير المحاصيل وهجرة السكان نحو المدن بحثاً عن العمل

 

في عام 1930 بدأت موجات الذعر المصرفي، حيث سحب المودعون أموالهم بشكل جماعي مما أجبر البنوك على تصفية أصولها، وتكررت هذه الأزمات في السنوات التالية حتى أغلقت آلاف البنوك أبوابها حاولت الحكومة دعم النظام المصرفي عبر القروض لكن ذلك لم يكن كافياً لإيقاف الانهيار

 

في تلك الفترة كان الرئيس هوفر يعتقد أن تدخل الحكومة المباشر في الاقتصاد يجب أن يكون محدوداً وهو ما جعل الاستجابة للأزمة بطيئة ومع تفاقم الكساد وارتفاع البطالة بشكل هائل فقدت السياسات التقليدية فعاليتها، مما مهد الطريق لوصول فرانكلين روزفلت إلى الرئاسة بفوز كبير

 

عند توليه المنصب عام 1933 اتخذ روزفلت إجراءات عاجلة، من بينها إعلان عطلة مصرفية لإعادة تنظيم البنوك واستعادة الثقة، ثم إعادة فتح المؤسسات السليمة كما بدأ التواصل المباشر مع الشعب عبر الإذاعة لاستعادة الثقة العامة وأطلق مجموعة واسعة من البرامج الاقتصادية خلال أول مئة يوم من حكمه بهدف دعم الإنتاج وخلق فرص عمل وإنعاش الاقتصاد كما تم إنشاء مؤسسات مهمة مثل مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية لحماية أموال المودعين وهيئة الأوراق المالية لتنظيم السوق المالي ومنع الانهيارات المستقبلية

 

وبدأ الاقتصاد بعدها في التعافي تدريجياً منذ عام 1933، حيث سجل نمواً ملحوظاً في الناتج المحلي وفرص العمل لكن في عام 1937 حدثت انتكاسة اقتصادية جديدة نتيجة تشديد السياسات النقدية ما أدى إلى ركود ثانٍ أعاد جزءاً من الأزمة قبل أن يبدأ التعافي مجدداً في أواخر العقد ليستمر أثر الكساد الكبير حتى نهايته.

آثار الكساد الاقتصادي الكبير

تعددت آثار الكساد الاقتصادي الكبير وكانت شاملة لمختلف جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كالتالي:

  • على المستوى الاقتصادي شهدت الولايات المتحدة انكماشاً حاداً في الاقتصاد خلال السنوات الأولى من الأزمة وصل إلى نحو نصف حجم الاقتصاد تقريباً فقد كان الناتج المحلي في عام 1929 يقدر بنحو 105 مليارات دولار وانكمش بشكل متسارع مع بداية الانهيار في أغسطس من نفس العام ومع نهاية 1929 انهارت مئات البنوك وتواصل التراجع ليصل الاقتصاد إلى انخفاض إضافي في السنوات التالية حيث تراجع الناتج بشكل كبير في 1931 و1932 لاحقاً ساهمت سياسات الإنفاق الحكومي في تحفيز التعافي فارتفع النمو الاقتصادي في منتصف الثلاثينيات بشكل ملحوظ لكن تقليص الإنفاق لاحقاً أعاد حالة التباطؤ قبل أن تعود معدلات النمو للارتفاع مع بدايات الاستعداد للحرب العالمية الثانية.
  • أما سياسياً فقد أحدث الكساد تحولاً كبيراً في الفكر الاقتصادي السائد حيث تراجعت الثقة في نظام السوق الحر غير المنظم وبدأت الحكومات تعتمد بشكل أكبر على التدخل الاقتصادي عبر الإنفاق العام والسياسات التوسعية ومحاولات دعم الطلب إلا أن ذلك أدى مع الوقت إلى زيادة مستويات الدين العام بشكل واضح.
  • كان للكساد أثر مدمر خاصة على قطاع الزراعة في مناطق الغرب الأوسط حيث انهارت أسعار المحاصيل بشكل كبير ما دفع الكثير من المزارعين إلى ترك أراضيهم والهجرة إلى المدن بحثاً عن فرص عمل مما زاد من معدلات التشرد وصعوبة الأوضاع المعيشية.
  • فيما يتعلق بالبطالة فقد شهدت ارتفاعاً غير مسبوق حيث بدأت بنسب منخفضة في أواخر العشرينيات ثم تضاعفت سريعاً مع بداية الأزمة لتصل إلى مستويات قياسية تجاوزت الربع من القوى العاملة في ذروة الكساد مما يعني أن ملايين الأشخاص فقدوا وظائفهم. ورغم أن بعض برامج الإنقاذ الحكومية ساعدت في تقليل البطالة تدريجياً خلال منتصف الثلاثينيات إلا أنها عادت للارتفاع مرة أخرى مع أي تراجع في الإنفاق الحكومي وظلت مرتفعة حتى بداية الأربعينيات قبل أن تبدأ بالانخفاض مع تحسن الأوضاع الاقتصادية العامة.

Moshera

كاتب محتوى متخصص في إعداد وصياغة المقالات الإخبارية والمحتوى العام بأسلوب احترافي يراعي الدقة والوضوح في نقل المعلومات. يهتم بمتابعة آخر الأخبار والتطورات في مختلف المجالات وتقديمها للقارئ بشكل مبسط وجذاب. يحرص على تقديم محتوى موثوق يضيف قيمة للقارئ ويواكب معايير الكتابة الحديثة وتحسين محركات البحث (SEO).
زر الذهاب إلى الأعلى